عبور ..!

رحلت جدتي رحمها الله وتغمدها بواسع فضله وكرمه..

بذات السلام الذي اتسمت به في حياتها ، هادئة ، رقيقة ، صامتة ،رحلت كما عاشت دوماً بالبشاشة إياها ، بالسلام الذي لم يكدر إنساناً عرفها قط ..!

ظننت لوقت طويل أن جدتي (نورة) لغز ..! أن الانسان في حالة سلام دائم هو سر ، أن تلك المرأة التي ترملت في ذروة شبابها ، واعتكفت على تربية الأيتام في وقت شديد الصعوبة والشظف ، لا تكون بهذا السلام المطلق .. إلا لو كانت تحمل سرها الخاص ، إكسيرها في التشافي والتسامي على محطات حياتها الصعبة ، لكن السلام الذي رحلت به ، الأثر العميق جداً الذي تركه رحيلها في النفوس بلا جزع ..! الحزن الكبير بهدوء ! اللوعة الصامتة ، المشاعر بين سلو ولا تصديق ، كل تلك الأمور التي تشبه جدتي (نورة ) ، أفشت لنا بسرها العظيم (الحياة عبور ليس إلا..!) ،الحياة عبور ، وأنت يا جدتي ، نفثتي في صدورنا برحيلك التعويذة السر ، لم أكن وحدي من تلقيت تلك التعويذة ، برحيلك أعاد الجميع حساباته:

أيقنوا فجأة أنه لا بقاء ، وأن الرحيل سنة ، وأن الحياة طريق ، والقبر محطة انتظار ، والآخرة وجهتنا ..! وزادنا شحيح ..! لا يسمن ولا يغني من سؤال وحساب ..!

رحلتِ بذات الهدوء والعمق والأثر ..! والتعويذة السر:

 (الحياة عبور ليس إلا).

قف على ناصية قلبك ..!

نختبر في حياتنا مواقف عديدة ، نظن أننا بذلنا خلالها غاية وسعنا ، وأن (القبول) نتيجة حتمية لذلك ، لكن هذا الأمر لا يحدث ، وفي لحظة ما ، نجد أنفسنا في مواجهة لكلمة غاية في القسوة ، ولا تتسق مع أحلامنا الرقيقة (مستبعد )،ولك أن تقرأها ساعتها كـ(مستبعد عن أمنية أو حلم أو نتيجة مرجوة) .

في تجربتي الصغيرة مع الرفض كان بوسعي ، أن أشعر بحدة تلك الكلمة ، كسكين حادة الشفرة ، ومتأهبة لنحر صبري وأمنياتي ، في المرة الأولى ، علقت الكلمة ككرة شوك في حنجرتي ، أذكر أنها لليالٍ عدة ، كانت تخدج كلماتي ، وتشرخ صوتي ، ظننت لوهلة أنني أختنق بها ، ولا أعرف السبيل لدفعها خارج صدري،ولأن الألم يختبر صبرك ، ويدرب قدرتك على التعاطي الأمثل معه ، كان أن جعلت قضية الرفض بين طرفين ، كلاهما أنا..!

أجلست حلمي المخذول ، بإزاء الجزء المتهاون داخلي ..! قلت للحكم بينهما ! بيني وبين نفسي ! :

(لم يخذلك يا حلم ، إلا أنا..!) .

ومن باب الاعتذار للأذى الجسيم الذي ألحقته بحلمي ، أقسمت أمامه : أن لا أخذله مرة أخرى .

استطاع هذا القسم أن يربت على قلبي ، أن يمد يد حانية وشفافة ، لينتزع كرة الشوك من حنجرتي ، لقد تعافيت منها ، من الرفض الأول تحديداً ، وتعرفت إلى سلاح غاية في النجاعة -على الأقل بالنسبة لي- :

(لا تلم إلا نفسك ..! لا ضليع عداك !)

في المرة الثانية ، كنت أظن أنني بذلك غاية جهدي ، كي لا أخذل الحلم ، لكن الأمر لم يك كما خططت له ، ثمة رفض آخر ، وبذات الحل الأول جابهت الثاني ، وأقسمت للمرة الثانية ، أن أضاعف الجهد أضعافاً كثيرة ..!

هكذا أظن أنني توصلت لدواء نافع في كل أزمة (رفض) :

لو اجتمع هذا العالم ، على سلبك أمنياتك ، وكنت أنت معها ، لم يضروك بشيءٍ إلا ما قد كتبه الله لك ، وإياك أن تقف على ناصية الحلم وتقاتل ، تاركاً ناصية قلبك للخيبة ..!

قِف على ناصية قلبك ، وقاتل ..!

الوقت الأنسب للسرقة ..

الشتاء فصلي المفضل ، الدفء الذي نبحث عنه بشتى الوسائل ، يشكل بالنسبة لي الالتصاق بكتبي أكثر ، بدء صباحاتي بكسل لذيذ ، البقاء أطول وقت ممكن تحت الأغطية الصوفية ، وعلى الأرائك ، تخفيف وتيرة الجسد بعد فصل كنت أتميز فيه من الحر..! تمرين خيالي في كتابة نصوص ، أعرف أنني لن أرضى عنها يوماً ، كل الروايات التي كتبتها ولم أنهيها لسبب أعرفه ! بدأت في الشتاء ، ثمة شخوص تسكنني ، تنام طيلة الصيف وتستيقظ شتاءً ، تحاول مراوغتي لأكتبها أو أنهيها ، ولا أفعل ، أتركها داخلي ، أشعر بالدفء الروحي عندما أطمئن أنها لم تغادرني بعد ..!
رواية الشتاء -ما قبل الماضي- شخوصها ، يشاركونني هذه الأيام قهوة الصباح ، بنظراتٍ عاتبة ، محبة ، مشتاقة ، متوثبة للضوء ، لا أدري ..! لكنهم غدو أكثر إلحاحاً ، أحيانا أراضيهم بقصة قصيرة ، اسـتعير ماضي شخصية أو حاضرها أو مستقبلها ، لقطة مشهدية واحدة ، وأكون قد كتبت قصة قصيرة ، لكن تلك الحلول لا تنجح دائماً ..
الآن في الطور الأكثر أهمية في كتابة رسالتي للماجستير، وداخلي مليء بأبطالي المزعجين ..! الشتاء يثير شغبهم ، ويفتح شهيتي للانسياق خلف نزواتهم ، أفكر فعلياً بالبدء في إكمال كتابتهم ، وأدرك في ذات الوقت خطورة الأمر ، لأنني ببساطة سأُسرق ..! ستأخذني كتابة الرواية ولن ترجعني ؟!
ما بين الهدنة والانسياق ، ما بين القهوة والشتاء ، أمور أكابدها كل صباح ..!
صوت فيروز “أنا عندي حنين ما بعرف لمين” يهدأ من تفاقم الأمور بيني وبيني (شخوص) روايتي ، هم يعرفون أنني أحنُّ إليهم كثيراً ، وأخاف غرقي معهم ، وأنتظر الوقت ، الوقت المناسب ، لكي أُسرق فيه ؟!

بينما لا أحد يفكر بالآخر .. !

قلت له مساءً ؛وقد بدا الحزن أكبر من تجاوزه ، لم أتمن قط أنني فاحشة الثراء ،أن أفقد بهجتي بجهازي الجديد ، أن لا يعود عطر قادر على رفع هرمون الدوبامين في جسدي ، أن أفقد نشوة اقتناء كتب جديدة ، أن لا أقضي طيلة سنة كاملة في التخطيط لسفر الصيف القادم ، لأنني قطعاً لا أمتلك طائرة خاصة، أو ميزانية لا سقف لها ، أن لا أشعر بالرضا العميق لاستبدال كرسي مكتبي بآخر أكثر رفاهية ، لم أتمن قط فقدان كل هذه السعادات .. مقابل اللاحد واللاسقف ..! كنت ولا زلت ممتنة ، لأن الأشياء البسيطة والعينية ، قادرة على بعث الدوبامين حتى النخاع ، أن تمتلك رصيد لا نهائي من الأشياء البسيطة والطفيفة والقادرة على صُنع يومك ، تماما كالسير حافياً على الرمال بين كثبان ممتدة ، آمناً مطمئناً ، وبوسعك أن تنام بالعراء ،أن تقضي به أمسية على وهج النار وطقطقة الحطب ، أن تكون بسيطا للحد الذي تشعر به ، أنك تستطيع أن تموت بسلام ، خفيفا من كل عبء، عابراً كطيف ، شفافاً كملاك ، قلت له :

ما تمنيت قط خسارة كل هذا ..! عدا بالأمس ،كانت المرة الأولى التي أبصر فيها ( مواطن ) يدفع عربة التسوق إلى السيارة ، أكبرت هذا لكن لم يغب عني نحوله ، انكساره ، وصعوبة عرضه للخدمة .

ثم فكرت أنه من الانانية ألا أتمنى الثراء الفاحش ..!

ولو تمنيته ولو امتلكته مثلاً لربما كان بوسعي

مضاعفة البقشيش الهزيل أضعافاً كثيرة !

ليغير سيارته المهترئة ، ليستأجر له كشك صغير ، يبدأ به مشروعاً يختصر من ركضه الطويل بين السوبرماركت والسيارات ..

قلت بينما أنا غارقه في صنع سعاداتي الصغيرة بينما غيري غارق في ثرائه الفاحش وابتياع حلي بنصف مليون ريال ، بينما لا أحد يفكر بالآخر ..!

كان هو يركض ، من مركز التسوق حتى مواقف السيارات..!

نحيلاً ، هزيلاً ، ويجد صعوبة في عرض الخدمة ؟!

يقظة ..!

img_8659من الصعب محاولة جمع الشتات ، توظيب شعث ميولك .. بعد وقت لا بأس به ، قضيته أفتش عن نافذة لا تخذل هذا الكم داخلي ، بدا لي التدوين حل ناجع..! يستوعب الميول الكتابية ، الحديث في أنماط الحياة والتخطيط والسعي الدؤوب نحو هدفٍ ما .. أن تحاول ، وتنجح مرة وتخفق أخرى  أن تغدو حياتك سلسلة من السعي والاختبار والتجريب ..

ثم تجد هذا الكم يختنق داخلك ، ولا نافذة لتخفيف الامتلاء لأجل هذا ، ولأن الحياة مشروع يقظة دائمة ..!

جاءت مدونة ( كافيين )

لم يكن ثمة خيار آخر عدا هذا الاسم ، أن تشعر باليقظة حتى النخاع ..!

إنشاء موقع مجاني على ووردبريس.كوم
ابدأ